في حوار مع الباحث المغربي محمد سعيد الريحاني:
رَجُلُ التعْلِيمِ “مُوَظفٌ” وَلَيْسَ “مُثَقفاً”
أجرى الحوار الإعلامي المغربي إدريس ولد القابلة
إدريس ولد القابلة: من هو محمد سعيد الريحاني؟
محمد سعيد الريحاني: إنسان مغربي وُلِدَ لِيَعِيشَ ويُرَفْرِفَ بين مرحلتين هامتين من تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال: الأولى هي المرحلة المعروفة ب”سنوات الرصاص“(1961- 1998)، والثانية هي المرحلة التي سُمِيَتْ ب”مرحلة التناوب والتوافق“(1998-…). ولأن محمد سعيد الريحاني تملكته روح الكتابة، فقد صار بديهيا أن ينخرط في الكتابة عن “المرحلتين” معا إما بالدراسة الرصينة أو بالإبداع القصصي، نقدا أو وصفا أو تحليلا…
إدريس ولد القابلة: لمادا التفكير في إصدار كتاب خاص عن “تاريخ التلاعب بالامتحانات المهنية في المغرب“؟
محمد سعيد الريحاني: في مقدمة كتاب “تاريخ التلاعب بالامتحانات المهنية في المغرب“، وهو بالمناسبة كتاب إلكتروني لا زال ينتظر فرصة الخروج للقارئ في حلة ورقية، نقرأ التقديم التالي الذي نعتقد انه جواب فصيح على السؤال المطروح:
“عزيزتي القارئة، عزيزي القارئ.
هدا الكتاب هو ثمرة نضال حقيقي ضد أشكال الشطط والتلاعب بإرادة المهنيين وكرامة الموظفين من سنة 2003 إلى سنة 2008. وقد نضج هدا الكتاب سنة بعد سنة، بيانا بعد بيان فاستحق بدلك أن ينشر مجمعا كشهادة صارخة للتاريخ ضد كل أشكال التزوير والعبث الممنهج بإرادة المواطنين ليكون بدلك وثيقة تاريخية من جهة وشكلا من أشكال رفع سقف حرية التعبير من جهة ثانية.
في زمن الحداثة وما بعد الحداثة بمقولاتها “موت الإنسان” ، “موت المؤلف“، “موت الزعيم“، “موت الإيديولوجيا“… يحز في القلب أن نجد شعوبنا وأنظمتنا ترفع شعارات الردة من قبيل “موت الشفافية“، “موت المصداقية“، “موت الكفاءة“، “موت النقابي” ، “موت السياسي“…
وفي ظل موت النقابي والسياسي، صدرت هده البيانات كصرخات سنوية حرة وأبية ومستقلة دوت قوية على المستوى الوطني وحفرت حضورها عميقا في أداء الجهات الوصية على تزوير الإرادات مضاعفة الارتباك في مراكز الشطط وأطرافه”.
بالإضافة إلى هدا التعليل، أود أن اعترف بأنني رجل عاشق للجديد وموله بالطرقات غير المعبدة ومهووس بالتأسيس لتقاليد جديدة. وعلى هده الخلفية أصدرت “الاسم المغربي وإرادة التفرد” سنة 2001 الذي اعتبر في حينه أول دراسة سيميائية للاسم الفردي العربي، كما انتهيت قبل أسابيع من وضع اللمسات الأخيرة لكتابي القادم “عندما تتحدث الصورة” وهو بالمناسبة أول سيرة ذاتية مصورة في تاريخ الأدب والفن الإنسانيين، كما ساهمت في وضع الأسس النظرية والإبداعية ل”المدرسة الحائية” مدرسة القصة المغربية الغدوية، بالإضافة إلى الكتاب موضوع هدا اللقاء الصحفي “تاريخ التلاعب بالامتحانات المهنية في المغرب” الذي يبقى بدوره أول “كتاب موقف” يحاكم العقليات المتحكمة في رقبة التعليم بالبلاد.
إدريس ولد القابلة: هل التلاعب بالامتحانات المهنية ممارسة مرتبطة بفساد القائمين على الإدارة المغربية، أم أنه آلية من آليات النهج المتبع في تدبير شؤون البلاد عموما؟
محمد سعيد الريحاني: وجهة نظري أن “فلسفة التدبير” هي المتهم الأول في موضوع الخلل الذي يعاني منه القطاع. ففي “سنوات الرصاص“(1961- 1998)، كان التعليم الوطني “معسكرا” لحصر امتداد أنصار المعارضة السياسية السابقة في قطاع شبه وحيد يُسَهِلُ عملية ترويضهم ومعاقبتهم “داخل أسواره“. أما في “مرحلة التناوب والتوافق“(1998-…)، فقد صار قطاع التعليم ملحقة سرية تابعة للجلسات غير العلنية ل”هيأة الإنصاف والمصالحة” يحظى دون غيره من القطاعات بتعويض رجال التعليم المنتمين لألوان المعارضة السابقة إداريا وماليا من خلال امتحانات مهنية مشكوك في نزاهتها ومطعون في مصداقيتها.
إدريس ولد القابلة: بهذا الخصوص، هل يمكن الحديث عن “الفساد” كمنظومة بالمغرب؟
محمد سعيد الريحاني: “المحاباة وإرضاء الخواطر” بدل الاحتكام لسلطة القانون ومعيار الكفاءة، و”التعيين والانتداب” محل التنافس الديمقراطي والانتخابات الديمقراطية، و”المكافأة من مال الشعب والعقاب بالحرمان من الحق فيه” هي السمة العامة لسير الأمور في البلاد.
إدريس ولد القابلة: بتركيز شديد، هل أنتم ضحية للفساد؟ وكيف؟
محمد سعيد الريحاني: أنا ضحية شطط إداري وبدلك فأنا شاهد إثبات على مرحلة من تاريخ التعليم العمومي لا تشرف أحدا. وهدا ما أكسب ولا زال يكسب بيانات أكتوبر السنوية التي أصدرها مند ما يزيد عن خمس سنوات من الصمود (أكتوبر 2004- أكتوبر 2008) “قوة ومصداقية وحصانة”.
إدريس ولد القابلة: من أين تبدأ “الثورة” على الفساد كمنظومة؟ وعلى عاتق من تقع مسؤولية تفجيرها؟
محمد سعيد الريحاني: “الثورة” كلمة تفهم في كل المعمور بنفس الوقع ونفس الدلالة إلا في البلدان العربية لسبب بسيط وهو أنه لم تحدث ثورة واحدة في التاريخ العربي بعد ثورة المسلمين على الثقافة الوثنية قبل خمسة عشر 15 قرنا. إن “الثورة” تقتضي مشاركة جميع الطبقات الاجتماعية وجميع الفئات المهنية وكل الأعمار والأعراق في عملية التغيير الاجتماعي… وهدا ما لم يحدث أبدا في الثقافة العربية. إن ما حدث، على المستوى العربي، كان مجرد “انقلابات عسكرية” نفدها ضباط قلائل، أو هي كانت “نعرات قبلية” لا ترقى لمستوى “الثورة” التي تشمل جميع مكونات الشعب دون استثناء “مع شبه إجماع على ثقافة محددة“. وهدا ما حدث مع “الثورة الفرنسية” و”الثورة الروسية” و”الثورة الإيرانية” وغيرها من الثورات الحقيقية التي لا يتسع مكان بينها لثورة عربية واحدة.
إن من يسمي “الانقلاب” العسكري “ثورة شعبية مجيدة” هو نفسه من يسمي “الهزائم النكراء” مجرد “نكسات“… كما أن هدا المعجم الفريد لا يستعمله غير شخص واحد في العالم يرهن شعبا بمعجمه ومزاجه وطرق تفكيره: “الحاكم العربي“. ولهدا “الحاكم العربي” سنخصص مجموعتنا القصصية القصيرة القادمة “وراء كل عظيم أقزام“.
“الثورة“، إذن، هي إرادة التغيير سواء استهدف هدا التغيير المستوى الشمولي أو المستوى القطاعي، المستوى المادي أو المستوى الرمزي ولكنها إرادة يُفْترض فيها أن تشمل الجميع. لدلك، وجوابا على سؤالكم، أقول بأن “الثورة” على الفساد كمنظومة تبدأ ب”إرادة” الثورة على الفساد. أما المسؤولية فتقع على عاتق “الجميع“: مثقفين وموظفين وطلبة وعمال وفلاحين ومعطلين…
إدريس ولد القابلة: من هم أكبر ضحايا التلاعب بالامتحانات المهنية في المغرب؟
محمد سعيد الريحاني: أكبر ضحايا التلاعب بالامتحانات المهنية في المغرب يبقى هو “الوطن” الذي سيفقد مركزه الجاذب لكل القوى والفعاليات وسيفقد معه مبررات وجوده. إن الخطر الذي يتهدد “الوطن” بعد سنة 1998 هو خطران بصيغة المثنى: الخطر الأول هو خطر تدبير الشأن العام تحت إغراء “فلسفة الحزب الوحيد“، أما الخطر الثاني فيبقى هو خطر تحويل الموظفين بشكل خاص والمواطنين بشكل عام إلى مجتمع من الانتهازيين والوصوليين وعديمي الأخلاق والقيم والحياة، إلى “مجتمع من دُمَى العرائس” يُحَرَكُونَ ب”الأصابع“!
إدريس ولد القابلة: ما هي أهم انعكاسات هذا التلاعب؟
محمد سعيد الريحاني: من بين أهم انعكاسات هذا التلاعب بالامتحانات المهنية وبمصائر الموظفين الإدارية والمالية لدى رجال التعليم: تفشي ضعف الثقة بمشاريع الوزارة الوصية على القطاع
المزيد